الصدى الداخلي

مساحة للكتابة والأفكار والتأمل.

من يملك في القرآن أن يقول: هذا حلال وهذا حرام؟

حين نرجع إلى القرآن نفسه، بعيدًا عن التراكم المذهبي والسلطة الدينية الموروثة، نجد أن باب الحلال والحرام ليس بابًا مفتوحًا للبشر حتى يتصرفوا فيه كما يشاؤون ولاحتى بالقياس، بل هو من صميم سلطان الله في الدين. ولهذا جاء الأصل القرآني الحاسم واضحًا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف: 40). وجاء أيضًا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾…

حين نرجع إلى القرآن نفسه، بعيدًا عن التراكم المذهبي والسلطة الدينية الموروثة، نجد أن باب الحلال والحرام ليس بابًا مفتوحًا للبشر حتى يتصرفوا فيه كما يشاؤون ولاحتى بالقياس، بل هو من صميم سلطان الله في الدين. ولهذا جاء الأصل القرآني الحاسم واضحًا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف: 40). وجاء أيضًا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275)، وجاء: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنعام: 119). بل إن الرسول نفسه لا ينسب المحرمات إلى رأيه ولا إلى اجتهاده الشخصي، وإنما يقول: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (الأنعام: 145). فمصدر الحلال والحرام في القرآن إلهي خالص، لا بشري.

وهنا تأتي الآيات التي تغلق الباب تمامًا أمام كل من يريد أن يتكلم في هذا المقام بغير سلطان من الله. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116). ويقول أيضًا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: 59). ثم يضع القاعدة التي تكشف حقيقة المسألة كلها: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: 21). فالقضية في القرآن ليست مجرد خطأ فقهي أو اختلاف رأي، بل دخول البشر في مقام الإذن التشريعي، وهذا هو أصل الانحراف.

والقرآن لا يذكر هذا المعنى على سبيل التجريد فقط، بل يعرض أمثلة عملية صارخة على بشر حرّموا من عند أنفسهم، ونسبوا ذلك إلى الدين. قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ (الأنعام: 138)، وقال: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا﴾ (الأنعام: 139)، ثم حكم عليهم بقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنعام: 140). ثم يتحداهم بقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾ (الأنعام: 150). وفي موضع آخر ينسف هذه المنظومة كلها بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (المائدة: 103). إذن القرآن يرى أن اختراع المحرمات من عند البشر ليس تدينًا، بل افتراءً على الله.

والأهم من ذلك أن القرآن لا يحصر هذا الذم في المشركين القدماء فقط، بل يوجهه حتى إلى المؤمنين أنفسهم، حتى لا يتوهم أحد أن التدين أو الزهد أو الاحتياط يعطيه حق التحريم. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: 87). ويقول أيضًا: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: 32). فمجرد أن يلبس التحريم لباس الورع لا يحوله إلى دين من عند الله. التحريم بلا إذن من الله اعتداء، ولو خرج من متدين لا من وثني.

وقد يقول قائل: لكن القرآن نفسه قال عن الرسول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ… يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: 157). فهل هذا يعني أن الرسول يملك سلطة مستقلة في التشريع؟ الجواب: لا، لأن القرآن نفسه يفسر هذا المعنى ويمنع فهمه على أنه استقلال عن الوحي. فالرسول يقول: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (يونس: 15)، ويقول أيضًا: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (الأنعام: 50)، وجاء عنه: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (الأنعام: 145). بل إن القرآن نفسه عاتبه حين حرّم على نفسه ما لم يحرمه الله، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: 1). فلو كان يملك باب التحريم استقلالًا، لما جاء هذا العتاب أصلًا. وعليه، فإن نسبة التحليل والتحريم إلى الرسول هي نسبة تبليغ وبيان وتنفيذ لما أوحاه الله، لا نسبة إنشاء حكم من عند نفسه.

ومن هنا يتبين أيضًا معنى وظيفة الرسول في القرآن: ليست وظيفة تأسيس دين من عنده، بل وظيفة بيان ما نزّله الله. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44). فالرسول يبين ما نزل، لا ما يبتدعه. وهو يتبع ما يوحى إليه، لا ما يراه الناس أو ما يستحسنه المجتمع أو ما تفرضه الأعراف. وهذا الفرق مهم جدًا، لأن الخلط بين البيان والتشريع هو المدخل الذي تسللت منه سلطات دينية بشرية هائلة عبر التاريخ.

وعند هذه النقطة نصل إلى واقع اليوم مباشرة. القرآن لا يمنع وجود من يعلم أو يشرح أو يفقه أو يجيب عن سؤال، ولكنه يمنع أن يتحول هذا كله إلى سلطة فوقية تملك أن تتكلم باسم الله بلا برهان من الله. نعم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، لكن هذا فتح لباب السؤال والتعلم، لا تأسيس لطبقة كهنوتية تملك مفاتيح الحلال والحرام. والدليل أن الآية التالية ردّت الأمر مرة أخرى إلى الوحي المنزل: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44). فالعالم المقبول قرآنيا هو من يرجع بك إلى ما نزل، لا من يصنع لك دينًا جديدًا من عنده.

ولهذا جاء التحذير الشديد من رفع البشر إلى مقام ديني ينازع سلطان الله. قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 31). وهذه الآية ليست عن سجود لهم فقط، بل عن إعطائهم مقامًا دينيًا يتلقى الناس منه الدين كما لو كان من عند الله. وإذا ضُمَّت هذه الآية إلى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: 21)، ظهرت الصورة بوضوح تام: أخطر صور الانحراف ليست فقط عبادة صنم حجري، بل أيضًا تسليم حق التشريع الديني لبشر ومؤسسات ومذاهب وطوائف.

ومن هنا فإن المشكلة الكبرى في زماننا ليست مجرد وجود فتاوى، بل في المقام الذي تُعطى له هذه الفتاوى في وعي الناس. حين يقول إنسان: هذا فهمي، أو هذا اجتهادي، أو هذا ما أراه أقرب لكتاب الله، فهو ما يزال في دائرة بشرية قابلة للنظر والخطأ. أما حين يقال للناس: هذا حلال وهذا حرام بوصفه حكم الله النهائي، مع غياب النص القرآني البيّن، ثم يُطلب منهم التسليم لهذا الحكم كما لو كان وحيًا، فنحن هنا داخل المنطقة التي فضحها القرآن نفسه: ﴿هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾، ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾.

والقرآن في هذا الباب شديد الوضوح: ليس كل ما اعتاده الناس دينًا، وليس كل ما قاله الموروث حجة، وليس كل ما نطق به صاحب عمامة أو لقب أو منصب ديني يصبح بذلك شرع الله. المعيار القرآني أبسط وأشد صرامة في الوقت نفسه: هل هذا مما أذن الله به؟ هل هذا مما فصّله الله؟ هل هذا مما أنزله الله؟ فإن لم يكن كذلك، فلا يملك أحد أن يعلقه برقاب الناس باسم الحلال والحرام. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾ (الأنعام: 150). التحدي القرآني هنا لا يزال قائمًا إلى اليوم.

إن أخطر ما فعلته البنى الدينية عبر التاريخ أنها لم تكتفِ بالشرح أو التفسير، بل ارتقت بنفسها إلى مقام المصدر. صار الإنسان يسأل: ماذا قال الله؟ فيُجاب: قال المذهب. وصار يبحث: ما الذي حرّمه الله؟ فيقال له: ما حرّمته المؤسسة. وصار الدين في أذهان كثير من الناس شبكة ضخمة من الممنوعات والمباحات التي نسجها البشر ثم ألبسوها لباس الوحي. بينما القرآن يرد الأمر كله إلى أصله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿وَلَا تَقُولُوا… هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾.

الخلاصة

النتيجة التي يفرضها القرآن من داخله واضحة: لا أحد يملك سلطة مستقلة ليقول من عند نفسه: هذا حلال وهذا حرام، غير الله. الله هو الذي أحل وحرّم، وهو الذي فصّل، وهو الذي يملك الإذن في الدين. والرسول نفسه لا يشرّع من عند نفسه، بل يتبع ما يوحى إليه ويبيّن ما نُزّل إليه، ولذلك عوتب حين حرّم على نفسه ما أحل الله له. وأما العلماء والمفتون والمذاهب والمؤسسات، فليس لهم في القرآن مقام تشريعي مستقل، وإنما لهم — إن التزموا الحق — مقام البيان والبحث والرد إلى الوحي. فإذا تجاوزوا ذلك، وجعلوا أقوالهم دينًا ملزمًا بلا إذن من الله، دخلوا في المنطقة التي يسميها القرآن افتراءً على الله وتشريعًا لم يأذن به الله.

ليست القضية في القرآن: من هو الأقدم، أو الأشهر، أو الأوسع أتباعًا، أو الأعلى منصبًا. القضية الوحيدة هي: من الذي أذن الله له؟ فإذا لم يوجد إذن بيّن من الله، فقول البشر: هذا حلال وهذا حرام، ليس دينًا، بل تعدٍّ على مقام الله في الحكم.